الشيخ علي المشكيني
37
رساله هاى فقهى و اصولى
وأمّا الثانية ، فهيئة الأمر في قولك : اضرب زيداً ، وجودٌ لفظيّ ؛ وما تصوّرته في ذهنك مِن بعثك المخاطب إلى الضرب وجودٌ ذهني ؛ والبعث الاعتباريّ الذي أنشأته في وعاء الاعتبار وجودٌ خارجيّ لها . ثمّ إنّه قد يترائى من كلام القوم في علم الأصول اختلاف آخر في تعيين الموضوع له للوجود اللّفظي - أعني : الأسماء ، والأفعال ، والحروف - فذهب بعضهم إلى أنّ الموضوع له والمستعمل فيه في الجميع هو الوجود الخارجي ، إلّاأنّ الاستعمال في الأخبار بنحو الحكاية عن ذلك ، وفي الإنشاء بنحو إيجاده باللّفظ . « 1 » وذهب آخرون إلى أنّه هو الوجود الذهني ؛ فالاستعمال عبارة عن إحضار ذلك المعنى في الذهن ، وإيجاد صورته فيه ، التي هي الوجود الذهني له . « 2 » والظاهر أنّ الصواب هو الأوّل ؛ لشهادة الوجدان بأنّ المخبر لا يريد إلّاالحكاية عن الخارج ، أو الإيجاد في الخارج ، وإن كان يلازمه إيجاد صور المحكي في ذهن السامع ، أو يكون هو الغرض من الحكاية ؛ فإنّ الملازم للاستعمال أو الغرض من غير كونه هو المستعمل فيه ، وعدم وجود المحكي في الكذب لا ينافي الحكاية ، فالمستعمل كأنّه يطلب من اللّفظ الحكاية عن الخارج ، وإن كان يعلم عدم التوافق لحصول بعض الأغراض منها . وعلى هذا ، ففي قولك : اضرب ، قد استعملت الهيئة في البعث الإنشائي ، وهو أمرٌ قابل للإيجاد باللّفظ . وكون معنى الهيئة حرفيّاً بلحاظ أنّ ذلك البعث من حالات الضرب ؛ فكأنّ الآمر لاحَظَ البعث حالة للضرب ، وأفاده متخصّصاً بكونه مبعوثاً إليه ومحثوثاً عليه ؛ فالهيئة أفادت معنى في غيره ، فأصل الضرب مدلول المادّة ، وحالة كونه مورد الحَثّ ، والطلب مدلول الهيئة . وعلى هذا ، فينتسب البعث إلى الآمر انتساباً تكوينيّاً خارجاً عن مدلول اللّفظ ، فيقال : إنّه قد بعث إلى ضرب زيد . وإذا أردت في مورد إفادة معنى الهيئة الإنشائيّة بنحو الإخبار ، قلت : أبعثك إلى
--> ( 1 ) . راجع : مقالات الأصول ، ج 1 ، ص 348 . . ( 2 ) . راجع : بحوث في الأصول ، ج 2 ، ص 14 ؛ حقائق الأصول ، ج 1 ، ص 42 . .